|
المنتحر ليس كافرًا
الأدلَّة والمؤيِّدات
1️⃣ أوَّلًا:
- لا توجد آية قرآنيَّة، ولا نصٌّ دينيٌّ معتبر، يدلُّ على أنَّ مجرَّد الانتحار يستلزم الكفر والخروج من ملَّة الإسلام، على نحو مطلق وكيفما وقع واتَّفق.
- أمَّا الأحاديث الدينيَّة التي ذكرت أنَّ عاقبة المنتحر هي الخلود في النار، فيمكن حملها على التغليظ والزجر، والتحذير الشديد من التساهل في إزهاق النفس، دون أن يستلزم ذلك الحكم بكفر كلِّ من أقدم على الانتحار.
- كما يمكن أن تكون ناظرةً إلى خصوص من استحلُّوا قتل النفس، أو من اقترن انتحارهم بيأسٍ عقديٍّ مُطْبِقٍ من رحمة اللّٰه وقدرته على تخليصهم من بلائهم، ناشئٍ عن جحود الذات الإلهيَّة، أو تكذيب ما جاء به النبيُّون من المفاهيم الدينيَّة؛ كالبعث والنشور والثواب والعقاب والجنَّة والنار...
- وفي هذه الحال، تكون العقيدة الفاسدة هي علَّة الحكم بالكفر، لا الانتحار بما هو انتحار. وإنَّما قد يكون الانتحار كاشفًا عن تلك العقيدة إذا ثبت اقترانه بها، وليس دليلًا مستقلًّا عليها؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللّٰهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّٰهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].
- ولا بدَّ هنا من التمييز بين اليأس العقديِّ القائم على جحود رحمة اللّٰه أو قدرته، واليأس النفسيِّ الناشئ عن شدَّة المعاناة والابتلاء؛ إذ ليس كلُّ من استبدَّ به اليأس النفسيُّ قد أنكر رحمة اللّٰه أو خرج عن الإيمان.
2️⃣ ثانيًا:
- إنَّ مجرَّد الانتحار لا يُسقط عن المسلم أحكامه الشرعيَّة المتعلِّقة بتجهيزه بعد وفاته؛ من تغسيله وتحنيطه وتكفينه والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين، ما لم يثبت موجب مستقلٌّ لخروجه عن الإسلام.
- وهذا ما تقرِّره الأحكام الفقهيَّة في الجملة، وإن اختلف الفقهاء في بعض التفاصيل؛ إذ لو كان الانتحار موجبًا للكفر بذاته، لما جرت على المنتحر أحكام موتى المسلمين.
- وبذلك يتبيَّن أنَّ حُرمة الانتحار وشدَّة الوعيد عليه لا تستلزمان سلب المنتحر صفة الإيمان، ولا حرمانه من الأحكام الشرعيَّة المترتِّبة على إسلامه.
3️⃣ ثالثًا:
- إنَّ الكفر يتعلَّق بما يوجب الخروج عن الإيمان شرعًا، ولا يصحُّ جعل كلِّ معصية، مهما عظمت، موجبة للكفر؛ لأنَّ ارتكاب الفعل المحرَّم شيء، واعتقاد ما يناقض أصول الإيمان شيء آخر.
- والانتحار، من حيث هو إزهاق الإنسان لنفسه، فعلٌ محرَّم يدخل في مسائل علم الفقه المتعلِّقة بأفعال المكلَّفين، فلا يتحوَّل إلى كفرٍ لمجرَّد وقوعه، ما لم يقترن بما يوجب الكفر شرعًا.
- ويؤيِّد هذا التفريق قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]؛ فإنَّ عِظَم المعصية لا يقتضي بذاته خروج مرتكبها عن دائرة الإيمان.
- كما أنَّ الانتحار قد يقع في سياق اضطرابات نفسيَّة شديدة، أو أزمات إنسانيَّة قاهرة، تُضعف قدرة الإنسان على التفكير السليم وضبط انفعالاته وتقدير عواقب أفعاله، وإن اختلفت درجات تأثيرها في الإدراك والإرادة من شخص إلى آخر.
- ومن هنا، لا يصحُّ الانتقال من الحكم على الفعل بالتحريم إلى الجزم بالحكم على فاعله بالكفر، فضلًا عن القطع بمصيره الأخرويِّ؛ فهذه أحكام متمايزة، لكلٍّ منها ضوابطه ومقتضياته.
4️⃣ رابعًا:
- إنَّ أيَّ إنسان لديه دراية ولو يسيرة بالشريعة يُدرك أنَّ من يقتل مئات الأشخاص، على ما في فعله من إجرام عظيم وتعدٍّ صارخ على حدود اللّٰه، لا يُحكم بكفره لمجرَّد ارتكابه القتل، ما لم يقترن فعله بموجب مستقلٍّ للكفر. فكيف استساغت بعض النفوس، وتجاسرت على تكفير إنسان لم يقتل سوى نفسه الواحدة، وفي حالة نفسيَّة قد لا يعلم حقيقة ما اعتراها من ألمٍ واضطرابٍ وانكسارٍ إلَّا علَّام الغيوب؟!
- ولا يصحُّ تبرير إطلاق أحكام التكفير على المنتحر بدعوى الترهيب من الانتحار، والحيلولة دون أن تُسوِّل لأيِّ أحدٍ نفسُه التفكير فيه؛ لأنَّ الزجر عن المحرَّمات لا يُبيح نسبة أحكام إلى الشريعة بغير دليل.
- فضلًا عن أنَّ هذا الأسلوب قد يزيد الأمر خطورةً وتعقيدًا، حين يُشعر الإنسان المُتهالك نفسيًّا بأنَّه منبوذ من الأرض والسماء، كالطائر الهائم الجريح الذي لم يحظَ بغصن يستقرُّ عليه لتُضَمَّد جراحُه!
- وعليه، فإنَّ التحذير من الانتحار ينبغي أن يقترن بفتح أبواب الرحمة والأمل والعلاج والاحتواء، لا بإغلاقها في وجه من ضاقت بهم سبل الحياة.
5️⃣ خامسًا:
- إنَّ كثيرًا من الاضطرابات النفسيَّة الشديدة، وبعض حالات الذُّهان والفِصام والاكتئاب الحادِّ، قد تؤثِّر تأثيرًا بالغًا في إدراك الإنسان وتقديره للأمور، وفي قدرته على التحكُّم بانفعالاته وتصرُّفاته.
- وقد ثبت علميًّا أنَّ وظائف اتِّخاذ القرار وضبط الاندفاع وتنظيم السلوك ترتبط بشبكات عصبيَّة متعدِّدة، من بينها مناطق الفصِّ الجبهيِّ في مقدِّمة الدماغ، وأنَّ بعض الاضطرابات النفسيَّة قد تؤثِّر في كفاءة هذه الوظائف بدرجات متفاوتة.
- ولا يعني ذلك أنَّ كلَّ مضطرب نفسيًّا فاقدٌ للإرادة أو المسؤولية، وإنَّما يعني أنَّ الحكم على مقدار إدراك الإنسان واختياره لا يصحُّ أن يكون حكمًا جزافيًّا، بمعزل عن حقيقة حالته النفسيَّة والعقليَّة حين صدور الفعل عنه.
- ولا يخفى أنَّ التكليف والمؤاخذة، عقلًا وشرعًا، يرتبطان بالقدرة والإدراك والاختيار، وأنَّ ما يخرج عن وُسْع الإنسان لا يُؤاخذ عليه على النحو الذي يُؤاخذ به القادر المختار؛ قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
- ومن ثَمَّ، فإنَّ الجزم بمقدار مسؤوليَّة المنتحر، أو القطع باستحقاقه العقاب الأخرويِّ، من غير إحاطة بحقيقة إدراكه وإرادته وظروفه، مجازفةٌ في الحكم على ما استأثر اللّٰه بعلمه.
المُدان الحقيقيُّ
- إنَّه من الظلم وقساوة الوجدان وقصور البصيرة أن تُصبَّ المسؤوليَّة كاملةً على المنتحر، مع إغفال ما قد يكون قد تعرَّض له من قهرٍ وإهمالٍ وإساءةٍ وظروفٍ نفسيَّة واجتماعيَّة قاسية.
- ومن هنا، فإنَّ الإدانة لا ينبغي أن تنحصر في الفعل وصاحبه، بل يجب أن تمتدَّ، حيث تثبت أسبابها، إلى جهتين قد يكون لهما دورٌ خطير في صناعة المأساة أو تفاقمها:
1️⃣ المُدان الأوَّل:
هو المجتمع الذي قد يُضيِّق على الإنسان سبل العيش الكريم، ويُثقله بالقهر والحرمان والإذلال، حتى يُصبح عاجزًا عن رؤية فرصة واحدة تمنحه أمل العيش بسلام وكرامة.
- فحين يغيب التكافل، وتضعف العدالة، وتُهمل معاناة الضعفاء، قد يجد الإنسان نفسه وحيدًا في مواجهة أزمات تفوق قدرته على الاحتمال، دون أن يجد يدًا تمتدُّ إليه أو بابًا يُفتح أمامه.
- وليس معنى ذلك أنَّ المجتمع مسؤول بالضرورة عن كلِّ حالة انتحار، وإنَّما هو مسؤولٌ بقدر ما يُسهم في إيجاد الظروف التي تُفاقم اليأس، أو يتقاعس عن توفير أسباب الحماية والرعاية والمساندة الممكنة.
2️⃣ المُدان الثاني:
- هم أولئك الذين يحيطون بالإنسان، ابتداءً من بعض أفراد العائلة والأقارب، وصولًا إلى سائر المحيط الاجتماعيِّ، ممَّن يعلمون بألمه وانكساره، ويُبصرون شدَّة معاناته، وربَّما يُدركون خطورة ما يمرُّ به، ثمَّ لا يُحرِّكون ساكنًا مع قدرتهم على المساعدة، بل يتركونه فريسةً لحزنه ووحدته، أو يزيدون جراحه عمقًا بالاستهزاء والاستعلاء والاستثقال والنبذ.
- وقد يتوهَّم بعض هؤلاء أنَّ ما أصاب غيرهم لن يصيبهم، وأنَّ المآسي النفسيَّة بعيدةٌ عن بيوتهم وأبنائهم، غافلين عن أنَّ الإنسان، مهما بلغ من قوَّة، قد تعصف به ظروفٌ تُضعف قدرته على الاحتمال.
- ولو أنَّ الإنسان الذي يُعاني ألمًا نفسيًّا شديدًا وجد من يُصغي إليه، ويحتويه، ويُعينه على طلب العلاج والمساندة، لكان ذلك من أهمِّ الأسباب التي قد تُخفِّف وطأة اليأس، وتُعيد إليه شيئًا من الأمل، وربَّما تحول دون وقوع المأساة.
- على أنَّ وقوع الانتحار، رغم بذل الأهل والمحيطين ما في وسعهم من رعاية واحتواء، لا يُسوِّغ تحميلهم مسؤوليَّة ما لم يكن في قدرتهم منعه.
- فلنتَّقِ اللّٰه في أحكامنا على عباده، ولْنُفرِّق بين تحريم الفعل وتكفير فاعله، ولْنَدَعِ الحكم على مصائر الناس وسرائرهم إلى اللّٰه وحده؛ فهو الشاهد على القلوب وأسرارها، والمحيط بخفايا النفوس ومكنوناتها، والأعلم بما عاناه الإنسان، وما أدركه، وما اختاره، وما خرج عن وُسْعِه.
▫️▪️▫️▪️▫️▪️
د. السيد حسين علي الحسيني
واتساب: 009613804079
|